الثلاثاء، 22 ديسمبر، 2015

مقدمة كتاب الشيخ مبارك الصباح - الوثائق والرسائل بقلم: سعاد محمد الصباح



يمر الزمن.. تتباعد الأيام، فننسى الوجوه والأحداث والأسماء.. وتصبح الصورة مثل أطلال برقة ثهمد "تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد"
 ولكن هناك أشخاص كلما مر الزمن يصبح ظهورهم أكبر وملامحهم أكثر وضوحا.. ووجودهم أكثر رسوخا، فبصماتهم تنطق وتتحدث بما تركوه من أثر على وجه التاريخ.. وفي النفوس، وفي أوراق الدارسين والباحثين والمقلبين لصفحات التاريخ.. والمطلين من شرفة الزمن على الماضي البعيد.. الذي مازالت خيوطه متصله بالحاضر كأنما هي من يحرك أحداثه اليوم..
يقول الطبيب ستانلي ماليري الذي زا ر الكويت عام 1911 في مذكراته:
                                                                          

كان مبارك في الواقع يمسك مصير الكويت بيده.. كان نحيفا، وكانت عيناه ثاقبتين تخترقان محدثيه وتمكنانه من الحكم عليهم بدقة، وكان وجهه قويا يعكس قوة الارادة والتصميم ، كان وجهه وجه قائد بالسليقة ، وكان بعيد النظر يستبق رعاياه في النظر إلى المستقبل ويلم بالشؤون العالمية بشكل مدهش في ذلك الوقت".

كان على الشيخ مبارك أن يدير دفة سفينة الحكم في الكويت وسط أنواء مضطربة ومتغيرة، وكان عليه أن يقيم الصلة مع كل طرف حسب مصالح بلاده فمن ناحية حافظ على صلته بالدولة العثمانية باعتبارها رمز الخلافة الإسلامية واستخدم هذه الصلة حماية مصالح الكويتيين واملاك اسرة ال صباح في منطقة الفاو، ولحماية سفن تجار الكويت في موانئ الخليج التي كانت تسيطر عليها السلطات العثمانية، ومن ناحية ثانية أقام صلة وثيقة بالحكومة البريطانية باعتبارها الدولة الأكثر نفوذا وسيطرة في الخليج، وذلك لحماية بلاده من غيلة التدخل العثماني، ومن ناحية ثالثة استقبل مندوبي الدول الأوربية الكبرى واستمع إلى مايعرضونه عليه من وعود وكان حريصا على إبلاغ السلطات الغنجليزية بهذه العروض لكي يعطيهم الانطباع بأنه ليس أسيرا للديبلوماسية الانجليزية ، وأن لديه بدائل يمكن استخدامها في اوقات الضرورة لذلك وصفه المؤرخ بريتون كوبر بشو بأنه "ديبلوماسي بارع".



في مثل هذه الأيام تمر 100 عام على رحيل الشيخ مبارك الصباح مؤسس الكويت الحديثه، وهي ذكرى غالية وعزيزة.. نسترجع فيها ونستذكر تلك العواصف العاتية التي هبت باتجاه الكويت من كل ناحية ومن كل اتجاه، خلال فترة محورية قائدا فذا ومن طراز فريد.. حتى يجنب الكويت احتمالية الذوبان والتلاشي او طمس الهوية.. والخروج من العواصف الرملية والفيضانات البحرية والذئاب واسماك القرش بأقل الخسائر..
وقد استطاع ذلك الرجل أن يصل بالكويت الى بر الأمان

في مرحلة مهمة من مراحل تاريخ الكويت مليئة بالاحداث الكبيرة والتحولات العظيمة والأسرار التي تنتظر الكشف، والتفاصيل التي تحتم القراءة والدراسة والبحث والتمحيص.. ورغم كل ماكتب ونشر مازال هناك الكثير. الذي ينتظر من المهتمين ان يرحلوا اليه
وفي هذا الجهد الرائع يقدم الباحث باسم اللواغني إضافة جديدة الى المكتبة الكويتية من خلال وثائق عديدة ارتحل في طلبها وجمعها وهو يعرضها كما هي، لتكون للقارئ والمهتم دليلا ومرشدا.. ولتكتمل الصورة التي تم عليها البناء الكويتي في ذلك الوقت الذي شكل اساسات البناء ودعائم وجوده، وقد حرصنا في دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع أن نتبنى فكرة إحياء ذكرى رحيل مبارك الكبير من خلال مهرجان يضم معرض للوثائق وندوات مع هذا الكتاب الذي نأمل أن يواصل مؤلفه الجهد في سبيل خدمة الكويت وثقافتها وتاريخها


الكويت نوفمبر 2015