الأربعاء، 26 مارس، 2014

سعاد الصباح وشخصيتها الأدبية


        
           هل استطاعت سعاد الصباح أن تطور الشخصية الأدبية التي
 وجدتها في شعر نزار قباني لتظفر بشخصيتها الخاصة.
 وهل كسبنا شاعرة تؤثر وتتأثر بما حولها
          المشكلة التي تطرحها الشاعرة د.سعاد الصباح مشكلة نقدية عويصة
 تتعلق بمفهوم الشخصية الأدبية.
           دعونا نتعرض لهذه المشكلة بحديث نقدي غير موارب ولا مجامل.
 فالقراءة الأولى لشعر سعاد الصباح تستحضر في ذهن القارئ شعر نزار قباني,
 أو بالأدق تستحضر شخصيته الشعرية بكل تفاصيلها:
مفردات وصياغة وصورا ومواقف وعواطف وانفعالات ورؤية للعالم.
          فهل القصيدتان: النزارية والسعادية متطابقتان بحيث تغني إحداهما عن الأخرى?

           وهل هو تطابق التماثل بحيث إذا رأيت إحداهما
 وفكرت بالأخرى تقول: إنها هي إياها? أم هو تطابق التشابه فتلتقي الملامح
 ثم تختلف السمات, حتى إذا نظر القارئ المدقق وجد أن الفروق الدقيقة بين الفن النزاري
 والقصيدة السعادية تظل تنبث في أنحاء القصيدة بتعبير هنا,
ولمسة هناك وإحساس هنالك, واختلاف في النبرة تارة والرؤية تارة أخرى,
كما أن في المشاعر اختلافاً كبيراً هو مفتاح تكوين الشخصية
 الأدبية المستقلة للشاعرة سعاد الصباح.
           فأنا أدّعي, تجاه هذه المشكلة النقدية العويصة,
 أن القصيدة السعادية تحمل في أحشائها, أمام القصيدة
 النزارية تشابه الاختلاف أو اختلاف التشابه.
           فإذا استطعت إقناعكم بصحة أطروحتي يكون الشعر العربي
 الحديث قد ظفر من سعاد الصباح بشاعرة طورت الصياغة النزارية
 تطويراً خلاقاً استوعب تجربتها النسائية, وفاض حتى تمكنت الشاعرة
 من التعبير عن تطلعات المرأة العربية, ونقد الرجل العربي
 وإطار العلاقات الحميمة وإطار العلاقات الاجتماعية التي
 تنظم وسائل اتصال المرأة بالرجل في كل مجالات الحياة.
قضية مشروعة
           قبل تنفيذ أي إجراء نقدي بتحليل نصوص الشاعرة,
 أريد أن أعلن أن قضية تأثر شاعر بشاعر, ومتابعته في
مفرداته وتراكيب جمله وصياغة قصيدته, هي قضية
 مشروعة لا يخلو شاعر منها منذ أن وجد الشعر إلى اليوم.
 فالمتنبي, أعظم شعراء العربية, يقول عنه القاضي الجرجاني -
 وكان معاصراً له - إنه بدأ في أول شعره متأثراً بأبي تمام,
 وانتهى متأثراً بالبحتري, بل إن الجاهليين كانوا يعلنون تأثرهم
 بمن قبلهم ويشتكون من أنهم يكررون أقوال من سبقهم
 (ومعاداً من قولنا مكرورا) كما يبدأ عنترة معلقته:
(هل غادر الشعراء من متردم) وكان البحتري يفخر
بأنه تلميذ أبي تمام. كانوا متواضعين لأن النظرة العلمية
 والثقة بالنفس تقتضيان التسليم بالتأثر بتراث من سبقهم
. أما دعاوى الفرادة والإبداع والخلق من عدم فتدل على
 مراهقة وفجاجة أو سوقية (سنوبيزم). فدعوى الاستقلال
 الشعري باطلة وجاهلة.
           سوف أبدأ في إثبات فرضيتي باستقلال الشخصية
الشعرية لسعاد الصباح, بقصيدة أنثوية خالصة لا يمكن
 أن ينظم مثلها نزار قباني, على الرغم من حضوره الشعري فيها.
هي قصيدة (ثورة الدجاج المجلد)(1)
سأُعْلِنُ باسْمِ سُعادٍ,
وهنْدٍ,
ولُبْنى,
وباسْمِ بَتُولْ.
سأُعْلِنُ باسم أُلوفِ الدَّجاجِ المُجَلَّدِ..
باسم أُلوفِ الدّجاجِ المُعَلَّبِ..
أَنِّي خَنَقْتُكَ تحتَ ضفائِرِ شَعْري
وأنّي شربْتُ دماءك مثل الكُحولْ
ولن أتراجَعَ عمّا أقولْ..
سأَثْأَرُ..
للحائرات, وللصّابرات..
وللقاصرات اللواتي اشتريْتَ صِباهُنَّ.
مثل البذار.. ومثل الحقولْ..
سأصرُخُ:
باسم العذارى اللّواتي
تزوَّجْتَهُنَّ..
وطلَّقْتهُنَّ..
كما تُشْترى, وتُباعُ الخُيُولْ!!
           فهذه ثورة شخصية جداً وأنثوية جداً, والنقمة ذاتية إلى أبعد حد
 حتى نكاد نسمع صوت المرأة النزقة المتهدج, ونشهد أظفارها
وقد أنشبتها في خناقه, ويأتي إلينا صوتها وهي تستدعي ضرائرها
 الحاليات والسابقات ليأخذن ثأرهن من رجل أهانهن واستهان
 بهن فألّبتهن عليه فتاة ثائرة ذات إحساس بكرامتها الشخصية وكبريائها الأنثوية:
أنا لستُ أُنْثاكَ, يا سيِّدي
ففتّشْ عن امرأة ثانيهْ
تُشابه أيَّةَ سجَّادةٍ
في بلاط الرَّشيدْ...
أنا امْرأةٌ من فضاء بعيد
ونجم بعيد
فلا بالوُعودِ ألينُ..
ولا بالوَعيدْ
أنا لستُ أُنْثاك.. يا سيدي
فنحن نقيضان في كلِّ شيءٍ..
ونحن غريبانِ في كلِّ شيءٍ..
فماذا لديَّ تُريدْ..
ثورة المرأة
           هذا هو اختلاف التشابه. فأين نجد بصمات نزار فيما قرأنا?
 لقد صور نزار رجلاً كالذي في القصيدة منذ أربعين عاماً قبلها:
بدراهمي.
لا بالحديث الناعمِ
حطمتُ عزّتكِ المنيعة كلها
بدراهمي
وبما حملتُ من النفائس
والحرير الفاغم
قد كان نهدكِ مرّةَ, ربي:
فأصبح خادمي
           حين يكون الرجل على هذا المقدار من الفظاظة يغدو جلفا جافيا
غير قادر على التواصل الإنساني, أي أنه يشيّء المرأة ويجعلها سلعة
 للتداول بلا مشاعر, لكن مشاعرها تنقلب ضده فتثور عليه وتبغضه,
 ثم تحقد عليه حقداً يدفعها إلى تنكيد عيشه وإيذائه بشتى الوجوه.
           فنزار قباني إذن موجود في النموذج, أي في رسم شخصية
 ليس لها ملامح خاصة, وإنما يكتفي الشاعر بتقديم خطوط عامة
 لشخصيته نتعرف عليها دون أن نعرفها - خطوط تنطبق على كل
 شخص من ذلك النوع - مثل بخيل موليير وبخلاء الجاحظ. والفنان
 يخلق النموذج حين يريد أن يبشّر بأخلاق جديدة يغير بها المجتمع القديم.
 فعندما أراد نزار أن يبشّر بحرية الحب في المجتمع البرجوازي
 الصاعد ابتكر ثلاثة نماذج: الإقطاعي المنفّر الذي يستولي
 على المرأة بقوته وماله دونما اهتمام بمشاعرها ولا بقناعاتها
 فتنشب أظفارها في عينيه ورقبته.
           والعاشق الذي يهتم بشخصية المرأة عن طريق مصادقتها أولاً,
 ويتوصل إلى قلبها بالمراودة والمكابدة, فيحاور ويناور إلى أن تتملى
 المرأة في شخصيته وحديثه الشائق, ولباقة تصرفاته, ورهافة إحساسه
 بشكلها وتصرفاتها ورغباتها. النموذج الثالث نموذج الفتاة المتحررة,
 الواعية بشخصيتها, المتمسكة بحريتها. ذلك أن نزاراً حين يرسم في
 شعره امرأة في مقتبل العمر جميلة في صورتها, أنيقة في ثيابها,
 مثقفة في مشاعرها وحديثها, فإنه يرسم نموذجاً لأنه لا يعقل
 أن يكون قد عاشر كل النساء اللواتي يرسمهن في شعره.
          إذن يلتقي الشاعر والشاعرة في رسم النموذج.
           ما السبب الذي دفع نزارا إلى خلق نموذج ظل يستعمله
 في شعره أكثر من خمسين عاماً?
           يريد نزار مجتمعاً متحرراً لا تذبح المرأة فيه إذا أحبت.
 يريد نزار ألا يصل رجل إلى امرأة إلا إذا أحبته وأحبها.
 هذا مفهوم برجوازي حديث تصارع طويلاً مع المفهوم الإقطاعي لصناعة الحريم.
          وسعاد الصباح تنتمي إلى مجتمع برجوازي يحارب مفهوم الإمارة والتملك.
          فرعان من شجرة واحدة
           إن التشابه العجيب بين الشاعر والشاعرة في المواقف والمشاعر
 والتماثل الاجتماعي والانتماء الطبقي هو الذي يخلق بينهما تشابه الاختلاف,
 فنحن إذن أمام فرعين انبثقا من شجرة واحدة هي شجرة
 المجتمع البرجوازي المتحرر.
           ولا يهم في هذا المجال المنشأ الطبقي, بل المهم الانتماء
 الطبقي لأنه نتيجة اختيار واع. ولكي نرى كم أن شاعرتنا متشبعة
 بالروح البرجوازية نذكر أن مواقفها قومية وأن لها قصيدة
 في أنها ناصرية, وقد ساندت العراق في حربه ضد إيران
 بالقول والفعل, ثم اضطرت إلى الدفاع عن وطنها
 لا عصبية للقبيلة, وإنما لأنه وطن.
           فاختلاف التشابه وثيق الصلة بتشابه الاختلاف
 لأن وحدة الرؤية الحضارية إلى الإنسان والعالم تشدهما
 برباط وثيق يربط أيضاً بين الشاعرة والشاعر. والمسألة تتجاوز
 استعمال المفردات والصور والنماذج إلى تماثل المواقف.
 فنزار شاعر عصبي متمرد, وهي أجدر بالتمرد لأنها من جيل يصغر جيل نزار بربع قرن تقريباً, وبوصفها امرأة متفتحة فهي أجدر بالتمرد. وحين تتمرد يكون شعرها خصوصياً جداً.

محيي الدين صبحي


مجلة العربي - فبراير 2003 عدد 531

الأحد، 16 مارس، 2014

الذئب الأخير

بقلم: د. سعاد الصباح


 منذ القلم، ومنذ الكتابة، ومنذ الدمعة الأولى، وشهقة السيف الأولى.. كان الشاعر العربي ملاذاً للحب، وملجأ للفقراء، وصوتاً للنبل والرأي الحر، وشمساً يُحتج بضوئها، وقمراً يحلو العشق على ضفاف نوره.
الشعر ذلك الشجن العابر للوحشة، المتجاوز للمفازات بكل حنين العرب، وحزن العرب، وأصالة العرب.. وكرمهم.
كان الشاعر العربي كريماً في وصف شعوره بالشعر، يبالغ وهو يهجو، ويبالغ وهو يجنّ بالحب، ويبالغ في المديح.. وقد يستسلم للخمر حتى يحين الأمر، فيعطي الأمر فوق حقه.
حتى انقضى ذلك الزمن، واجتاحت عربات الشعر الحديث البراري والمفاوز والمرابع والخيام، ونصبت فيها رايات المدنية، ووضعت فوق الجبال صحون الالتقاط، وعُبّدت الأودية بالإسفلت.. حتى غيّرت الحبيبة مكان موعدها من البئر إلى الـ "كوفي شوب"، وتغيرت موسيقى الخلفية الموسيقية من ثغاء الغنم وحنين الإبل إلى مقطوعة لتشايكوفسكي.. عندها قرر الشعر أن يخلع ثياب البداوة، وينتظم في المدارس الحديثة، يقرأ كتب العلم بورق صقيل، ويطالع قصة قيس وليلى عبر الـ "فيديو كليب".
وفي الوقت الذي كان شعراء الجيل الحديث يهيِّئون القصيدة لأن تغتسل مما علق بها من رمال الصحراء، وتخلع عن جسدها الخرق المرقِّعة وبقايا داحس والغبراء، لتدخل الحياة المدنية متأنقة بربطة عنق تفوح منها رائحة عطر فرنسي، ولتجلس في المنابر تضع ساقاً فوق ساق بشعر "مهندم" وصوت هادئ.. جاء الشاعر الراحل سليمان الفليح -رحمه الله- يجرها من شَعرها ليعديها إلى الصحراء،  يخلع عنها ثياب المدينة ويصعد بها إلى الجبال، يطلب منها أن تصرخ بصوته صراخ الصعاليك وتركض ركضهم، وتطالع حضارة المعدن من بعيد تهزأ من بهرجتها وإضاءاتها، وهي تنفرد بالليل والقمر وصوت الذئاب.
كأن سليمان الفليح سهم انطلق من زمن عروة بن الورد والسموءل والشنفرى، واستقر في قلب المدينة في القرن العشرين وما بعده بقليل، يخبرنا بأن البداوة لن تغيب عن الشعر، وبأن القصيدة العربية -وإن تغيّر شكلها- لم يتغير مضمونها.
وعلى المستوى الشخصي كان الفليح إنساناً ودوداً، وبرغم احتجاجه إلا أنه يقبل الآخر، ويتقبل رأيه ويتحاور معه بكل ودّ.
ظل يتواصل معي بين آن وآخر بالكتابة أو بالاتصال، يجدد أو يؤكد المودة والهمّ الشعري المشترك.
وقد كان لدار سعاد الصباح تعاون مع الشاعر من خلال مجموعته الشعرية المميزة (ذئاب الليالي)، وهاهي تُقدم على جمع نتاجه الشعري في مجموعة كاملة وفاء للشعر، ولصوته الذي كان دوماً صوتاً للكويت وأصالتها.