الأحد، 21 أكتوبر، 2012

الأطفال هم صناعة المستقبل

الأطفال هم صناعة المستقبل

د. سعاد الصباح
د. سعاد الصباح
| د. سعاد الصباح |

عندما يحتفل العالم بعيد الطفولة، فهو يحتفل بواحد من أجمل أعياده، وأغناها بالمعاني والدلالات.
فالطفولة، هي هذه الأرض الطيبة، التي يمكننا أن نزرع فيها كل الأحلام المستحيلة التحقيق.
إنها المنجم الأسطوري، الذي نستخرج منه الذهب، والفضة، وملايين الأحجار الكريمة.
الطفولة هي صناعة المستقبل والشعوب التي لا تهتم بصناعة أطفالها لا مستقبل لها.
الأطفال هم الخيول الرابحة في سباق المسافات الطويلة، وهم الاستثمار البشري والثقافي والحضاري العظيم الذي يتفوق في مردوده على كل الاستثمارات الاقتصادية.
ازرع طفلاً صحيح الجسد والروح، وخذ وطناً صحيح الجسد والروح.
هذه هي المعادلة التي يجب أن نضعها دائماً أمامنا...
إن خريطة الطفولة في العالم، ليست خريطة سعيدة، ففي هذا العالم المتفجر يدفع الأطفال ثمن سباقات الكبار... وثمن صراعاتهم، وحروبهم الساخنة والباردة.
وإذا كان أطفال الشمال لا يزالون قادرين على الحصول على زجاجة الحليب، وكوب الكاكاو، وقطعة الخبز كل صباح، فإن ملايين الأطفال في جنوب آسيا، وفي أفريقيا، وفي فيتنام، وبنغلاديش، والسودان يأكلون من جلودهم ومن هياكلهم العظمية.
إننا لا نحسد الطفل السويدي، أو الدنماركي، أو السويسري على وزنه الزائد... ولكننا نريد بالمقابل أن يزيد وزن الطفل المصري، والسوداني، والصومالي، والهندي، والباكستاني، والفلسطيني، واللبناني.
وبالتالي، نريد أن تكون خارطة الطفولة في العالم، جنوبه وشماله، خارطة عادلة وإنسانية ومتوازنة...
ثم إننا لا نستطيع ونحن نحتفل بيوم الطفولة أن ننسى الأطفال العرب في فلسطين المحتلة، الذين تحاصرهم قوات الاحتلال الصهيونية في مخيماتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتقتلهم كالعصافير بطلقات الرصاص البلاستيكي... وتمارس عليهم أبشع أساليب التعذيب والتجويع والقمع.
أما ما يعانيه أطفال العرب في الحروب العبثية التي تدور تارة في فلسطين، وتارة في السودان، وتارة في العراق، وتارة في اليمن، فقد تجاوز حدود العقل، ليصبح هجمة بربرية... على الحياة والأحياء. إن الأطفال يعيشون بين القذيفة والقذيفة... والرصاصة والرصاصة... فلا مدرسة يذهبون إليها... ولا كتاب يقرأون فيه، ولا حديقة يتنزهون فيها، إن مشوارهم الوحيد هو بين أرحام أمهاتهم... وبين المقبرة.
إنني لا أستطيع أن أكتب عن الطفولة، دون أن تفيض مدامعي حزناً على بعض الأطفال العرب الذين لا يعرفون ما هي الطفولة.. ولم يروا في حياتهم شجرة... وبحراً... وعصفوراً... ولم ينعموا في عيد ميلادهم بلعبة يلعبون بها كبقية الأطفال. إن يوم الطفولة يجب أن يكون يوماً لجميع أطفال العالم دون تفريق في اللون أو الجنس أو المنطقة الجغرافية.
هكذا أفهم عيد الطفولة.
إذ ليس من العدل في شيء أن ينام الطفل الشمالي على سرير من القطيفة... وينام الطفل الجنوبي على سرير من البكاء... كما ليس من العدل أن يأكل الطفل الأوروبي فطيرة محشوة بالتفاح... ويأكل الطفل العربي فطيرة محشوة بالجراح.

* من كتاب «كلمات... خارج حدود الزمن» صدر حديثا.

الخميس، 18 أكتوبر، 2012

عن "الأستاذ" غسان تويني بقلم: د. سعاد الصباح




                                                            بقلم: د. سُعَاد محمّد الصّبَاح

نحن في العام 1960 . . وها هي بيروت تمتد أمام عيني: جزيرة من اللؤلؤ الأخضر تقاربها زرقة لم يسبق لي أن عرفت مثيلاً لها، على امتداد الطيف.
صحيح أن كل البحار مكسوة بطبقة من هذا اللون ولكن زرقة البحر في بيروت كانت لوناً آخر، تحكي تجاعيده البيضاء عن ثورة فيه يعلنها الماء على اليابسة، دون أن يغرقها.
إلى هذه المدينة جئت للمرة الأولى بصحبة زوجي الشيخ عبد الله مبارك الصباح، والذي كان من أوائل من عانق بحر بيروت وجهه، هذا القادم مرات ومرات من أرض الكويت إلى لبنان، حيث يلتقي الرمل بالبحر في ثنائية الحياة الجميلة. 
ويبدو أن بيروت قررت خطفنا، لذلك فان دارتنا البحرية على الرملة البيضاء تحولت إلى منتدى ينضم إليه في كل عشية صوت جديد من أصوات السياسة والفكر والإعلام.
كانت بيروت تفور بالابداع في كل منحى: من التجارة إلى التعليم إلى العلم فالسياسة والصحافة والفنون. كانت بيروت تعمد روحها في بحر العطاء لتصبح، وفي أعوام قليلة، عاصمة عربية نادرة الملامح وشديدة التميز فيما بدا لي يومها أن جنّـيّه البحر قد غرقت في روحها فأعطتها زاد التفرد وشكل الأيقونة.
كان  لبنان يخرج من محنة، سرعان ما تعلمنا معها أن هذا المولود الخارق الإرادة قادر على كسر رخامة القبر.
وتمر الأيام، سنوات عجاف هي وسنوات رخاء وهناء هي، ويظل لبنان نشيداً عالياً في حنجرة زمانه.
بعض هذا النشيد وأعظم ما فيه، هيبة العقل. وبعض هذه الهيبة كانت الجامعات والكليات والمؤسسات وفي طليعتها صحافة تؤكد للبنان أولاً حقه في حياة أفضل وتؤكد للعالم أن هذا المولود قد عبر تجربة البقاء الإغريقية، فبقي حياً رغم ثلوج القمم، لم تفتك به العاصفة ولن يقتله الإعصار.
في هذا البلد تعرفت إلى أول دروس الحق والخير والجمال: فكراً في حالة صراع دائم، وحيوية لا تهدأ في السعي من أجل بناء وطن وإنسان. وفي هذه المعركة التي لم تنته ولن تنتهي، كانت الصحافة اللبنانية مسرحاً ملتهباً للكلمة، بالحوار تقول وله تدعو، حتى وإن اختلفت اللغة، سمواً وهبوطاً. وفي هذا المصهر، قرأت "غسان تويني" لسنين وما زلت أفعل. وكنت دائماً أعجب من أمرين: التزام بالأسس فلا خروج عن معتقد ولو بعد خمسة بل ستة وأربعين من الأعوام.
هذا أولاً:
الثاني: هذا الثراء اللغوي، يكسره حين يشاء دون أن تملك حق محاكمته.
غسان تويني: الإنسان الخارج عن كل القوانين هو هذا الذي عرفناه بالأمس، ونعرفه اليوم أكثر، وغداً أكثر وأكثر.



غسان تويني هذا المعجون بالثورة، ولو على نفسه، وبالحرية ولو ذبحته، وبالديمقراطية ولو أمسك بها بماء العين.
غسان تويني الذي يقرأه عشرات الألوف كلما كتب ويعرفه قارئوه فيحبونه بالاتفاق أو بالاختلاف مع صوته.
غسان تويني هذا صانع صحافة يحق له فيها أن يدعي إمامة الكلمة الجديدة، الكلمة – النار، الكلمة – الطريق . .
الكلمة الباقية على مر الأيام والسنين والأزمنة التي يؤرخ لها وتؤرخ حضورها.    
غسان تويني "الأستاذ" الذي استحق لقبه بالممارسة وبالعمل هو من يستضيفنا في هذا الكتاب، إذ نستضيفه، لنصبح كلنا ضيوفاً على لبنان – الكلمة الحق – التي تزهو بمبادئها وتكبر في وجه كل من يحاول وأدها، وتنتصر على الشر بخيرها المتولد من نارها.
إلى " الأستاذ " هذا الكتاب من مؤمنة بالله ثم بالكتاب وبالحرية وبالكلمة المقاتلة في سبيل الحق والمعرفة والإنسان.


_ مقال الدكتورة سعاد الصباح الذي قدمت به لكتاب (غسان تويني) بمناسبة تكريمه من قبل دار سعاد الصباح عام 2007

الأربعاء، 17 أكتوبر، 2012

شاعر لكل الأجيال





بقلم: د. سعاد محمد الصباح


لا يزال نزار قباني يُعمِّر جمهوريته الشعرية على امتداد الوطن العربي منذ خمسين عاماً، حتى صارت جمهوريته أشهر من جمهورية افلاطون.
لم يترك بيتاً لم يدخُلْه . .
ولم يترك طفلاً لم يلعب معه . . .
ولم يترك حديقةً لم يجلس تحت أشجارها . .
ولم يترك عاشقاً إلا احتضنه . .
ولا عاشقة إلا أهداها ديواناً من شعرهِ . . وعلِّمها كيف تكتشف الأنوثة  . .
* * *
نـزار قبانـي لم يكن شاعراً عابراً في حياتنا، بل كان خلاصة أيامنا . .
ولعلي لا أغالي إذا قلت إن نزاراً هو الشاعر المبثوث على كلِّ الموجات في سماوات الوطن العربـي، وهـو مِثـْل أبي الطّيب المتنبي، ملأ الدنيا، وشغل الناس . . ولا يزال يشغلهم حتـى الآن.
إنه الشاعر الذي ترك بصماته واضحة على ثلاثة أجيال متعاقبة. وكان، عن جدارة، وجدانَ العرب وضميرهم، والناطق الرسمي بلسان من لا لسان لهم.

إنه شاعر كل الفصول . . .
فمع قمر الصيف يأتي . .
ومع رائحة دمشق يأتي . .
ومع سيمفونية الأمطار يأتي . .
ومع إلتماعات البرق يأتي . .
ومع حزن الصواري يأتي . .
ومع بكاء الوطن يبكي . . ومع نزيفه ينزف . .
وفي الأعراس الشعبية يجلس مع الناس على الأرض ويتقاسم معهـم أرغفة الخبز . . وأرغفة الحرية . .
***
منذ بداياته قرّر نزار قباني أن يؤمم الشعر . . ويجعله خبزاً للجميع . .
ودون مبالغة أقول إن هذا الفتى الدمشقي استطاع أن يصنع من الشعر عباءة من القصب، ومنذ خمسين عاماً ونحن نلبس لغته الجميلة، ونكتسي بحرير مفرداته.
***
ولأن نزاراً كان يريد أن يصل إلى كل الناس، كبارهم وصغارهم، رجالهم ونسائهم، مثقّفيهم وأنصاف مثقّفيهم، أغنيائهم ومحروميهم . . . قرر أن يخترع لغته . .
لغة بإمكانها أن تصل إلى كل إنسان عربـي، بصرف النظر عـن وضعه الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الثقافي . .


الشعر على يد نزار قبّاني، صار للجميع . .
وهكذا كسر نزار قبّاني حاجز اللغة بين الشعر وبين الناس، وجعل من القصيدة حديقة عامة يدخلها الناس بلا تذاكر دخول . .
***
على يد نزار قبّاني أصبحت مساحة الجمال أكبر من مساحة القبح . . ومساحة الحرية أكبر من مساحة الاستعباد . . ومساحة الحبّ أكبر من مساحة الكراهية . .
على يد نزار قبّاني صار بإمكان المرأة أن تقرأ ديوان شعر دون أن تدخل سجن النساء . .
على يد نزار قبّاني صار الشارع العربي أكثر شجاعة في مواجهة المتخاذلين والمهرولين ..
صـار شعـر نزار في هذه الأيام ضرورة قومية، بعد أن كان في الخمسينات ضرورة جمالية
.. ففي كل مواجهة سياسية، أو قومية، أو نضالية، تكون قصائد نزار قبّاني على خطوط الدفاع الأمامية . . 
نزار موجود في كل مكان على خارطتنا النفسية . .
لعيون المرأة يوم . . . ولعيون الوطن ستة أيام . . . لرائحة المرأة شهر . . . ولرائحة الشهداء كل شهور السنة . . . لشفاه النساء قصيدة . . . ولجراح الشهداء ألف قصيدة . .
***


 


- مقدمة كتاب (نزار قباني.. شاعر لكل الأجيال) الصادر عن دار سعاد الصباح 1998 بمناسبة تكريمه من قبل دار سعاد الصباح

الثلاثاء، 16 أكتوبر، 2012

تعال إلى جزيرتي.. تعال إلى باربيدوس



د. سعاد الصباح |

عندما كنت أقرأ عن المدينة الفاضلة أو «اليوتوبيا» التي تحدث عنها الفلاسفة الإغريق والعرب، كنت أتصورها مدينة ذهنية بحتة لا توجد إلا في عقول الفلاسفة وتصوراتهم... أما على أرض الواقع فكل المدن ملعونة، وشريرة، وغير فاضلة.
ولقد ظللتُ على شكوكي هذه، حتى أتاحت لي أسفاري أن أنزل في جزيرة من جزر البحر الكاريبي اسمها «باربيدوس».
«باربيدوس» تكوين غير عادي من تكوينات البحر، ومن مشتقات اللون الأخضر... وإنسانُها لا يشبه فصيلة الإنسان، فهو مزيج من الإنسانية والنبوة معاً.
بحر «باربيدوس» لا يشبه بقية البحار، فهو تنويعات من الأزرق، والكحلي، والبترولي، والرمادي، والأخضر، والبرتقالي، والبنفسجي...
وقمر «باربيدوس» لا يشبه أي قمر آخر... فهو يتجلى لك مرة على شكل طاووس من الذهب، ومرة على شكل عريشـــــة ياسمين، ومــــرة على شـــكل سوار من اليـــاقوت فـــي معـــــصم امــرأة جـــــميلة... ومرة على شكل كأس من الكريستال... ومرة على شكل راقصة باليه ترقص على صوت الطيور الليلية...
أما نخيل «باربيدوس»، وأشجار جوز الهند فيها، فهي مشغولة طوال النهار بتمشيط شعرها بمياه الكاريبي، حتى إذا ما غابت الشمس تركت أمشاطها على رمال الشاطئ... ونامت.
أما مطر «باربيدوس» فيشبه عاشقاً مجنوناً، ومزاجياً، وغريب الأطوار... لا تعرف متى يرضى، ولا تعرف متى يغضب، وهو كـــــكل العــــــشاق المجـــانين، يأتي بغير موعد... ويذهب بغير موعد... ولكنه في كل زيارة يترك على نافذتك رسالة حب خضراء.
على أن المعجزة الكبرى في «باربيدوس» ليست البحر، ولا المطر، ولا القمر، ولا أشجار جوز الهند، ولا مزارع قصب السكر...
المعجزة الكبرى هي إنسان «باربيدوس» الرائع في جلده الأسود وقلبه الأبيض، الذي يعطيك ثمرة جوز الهند بيده اليمنى... وقلبه باليد اليسرى، ويغني لك الأغنية الشعبية الشهيرة.
«تعال إلى جزيرتي.. تعال إلى باربيدوس».


* من كتاب «كلمات... خارج حدود الزمن»



الخميس، 11 أكتوبر، 2012

. . . من رسالة خاصة جداً




بقلم:
نضال الأشقر



عزيزتي سعاد
أكثر من عشرين سنه مضت على لقائنا الأول. كنت أقرأ الشعر في أمسية لندنية وكنتِ هناك: مهرة تشع عيناها بحزن في الأعما،ق ووشاية لفرح لا يكاد يكتمل.
كنتِ أنتِ بين الجمهرة المستمعة: وحيدة بدوتِ لي وإن كان كل من حولك يقترب أو يحاول. وقد ولد لي في لحظتها حلم علاقة مودة واحترام وإعجاب متبادل، ما لبثت الأيام أن زادته وضوحاً ليصبح حقيقة.
وحيثما ذهبت كنتُ أراك أو أسمع عنك كل ما تحمله طيور الخير، محدثة في صدق رائع عن سجايا في سعاد الصباح لم تتوفر لغيرها ولو تماثلت مع العديد من رموزنا: قيما في ذروتها الوفاء، وعطاء في حدوده الدنيا غريب على مجتمعاتنا العابقة بالبشاعة.
لقد جسدتِ المرأة العربية الحقيقية: تكافح وهي في غنى عن الكفاح ، تقاتل وهي التي لو شاءت لنعمت من دنياها بسلام مطلق ونعيم دائم.
وفي تجسيدكِ للمرأة العربية الباسلة بقيتِ سيفاً مشدود القامة، كما أنت تماماً حين تقفين إلى منبر الكلمة : شاعرة آسرة بالبحّة الحزينة في الصوت وبالجمال النبيل في تجلياته العليا.
حيث أذهب تتغير الدنيا، ويا لكثرة ما أسافر. الأشجار تتغير. الشوارع تتغير. المدن تخلع اغطيتها. الأحصنة تبدل صهيلها إلا أنت فإنك


لا تزالين الفرس العربية التي لا يتبدل فيها الصوت ولا تشيخ الصورة بل يزداد كل منهما عمقاً وأصالة .  
من السهل أن أقول فيك كل ما يعرفه عنك المحبون والمؤمنون برسالة الحياة العظيمة، ولكنك تستحقين أن يقال فيك الكثير الكثير وفاء لما أعطيت عالمنا العربي من قدرات في الشعر والنثر ورعاية مسيرات الثقافة ورموزها وعناوينها.
ويندر أن نجد جبين منتدى ثقافي أو مثقف اتصل بك، دون أن تكون كفك المليئة ببخور المحبة قد مرت فوقه ومسحت عنه الحزن الذي يذبح المبدعين.
أنت: أيتها المرأة العربية التي تمضي السنون ولا أراك، تستحقين مني التوقف لحظة أمام الله لأقول فيك كلمة حق أنت والله المستحقة لها. لأقول فيك ولك أن الزمن مع سعاد الصباح هو زمن آخر أكثر بهاء وجمالاً ونبلاً.
فلتنعمي يا سعاد بأكليل الغار، من فؤاد يصنع، ولاسمك فلتكتب أحلى الكلمات..

السبت، 6 أكتوبر، 2012

الرجل العاصفة


شعر: د. سعاد الصباح


أيُّها الرجلُ المتوَرّطُ في عشَراتِ الحروب..
إنكَ تقاتلُ حتي دَمَكْ..
تقاتلُ الوقتَ.. وفِنجانَ القهوة...
وكتابَ التاريخ.
أصابعُكَ تقاتلُ أصابِعَكْ..
وحرائقُك تفترسُ حرائقكْ..
وتفترسُني...
أيُّها الرجلُ المنهكُ بتعدّديتهْ
إنني لا أتذكر أني رأيتكُ يوماً وحدَك..
ففنادقُكَ دائماً محجوزَةْ..
وذراعاكَ دائماً محجوزتان..
وقلبكُ مَسْرحٌ مكتملُ المقاعد..
أيُّها الرجُلُ الهاربُ من حقائبه..
وجوازِ سفرهِ..
أيُّها الهاربُ من كل العناوينْ..
إنني إحبُّك..
بكل عصبيةِ البحر، وَحَماقاتِه..
بكل جنونِه، وانقلاباتِه..
فلا تتضايقْ..
إذا كسرتُ جدارَ وَقارك..
إنّ شرَّ الأمورِ عندي هي الوَسَطْ..
وأَرْدأَ أنواعِ الحبِّ، هو الحبُّ الوسَطْ..
وأجبنُ القصائد..
هي التي تمسكُ العصا من الوَسَطْ

الأربعاء، 3 أكتوبر، 2012

كويتية في فينيسيا






بقلم: | د. سعاد الصباح |


السيدة فينيسيا... امرأة مهووسة بالماء إلى حد الجنون... مازالت تقف تحت الدوش منذ آلاف السنين، حتى اخضرّ جسمها من تراكم الأعشاب البحرية... واستوطنت قبائل من السمك والمحار وطيور النورس في كفّيها...
تزوجت البحر بعد قصة حب طويلة... وأنجبت منه عشرة آلاف جندول... تؤوي في صدرها خمسين بالمئة من عشاق العالم... وتعلمهم أبجدية الحب من ألفها إلى يائها... حتى صار الجندول باعتراف الذين درسوا العشق على يديها، جامعة أهم من جامعة أكسفورد... أو جامعة هارفرد.
السيدة فينيسيا من فصيلة زهر اللوتس، تسكن في بيت من ماء... وتنام على سرير من ماء... وتكتب قصائدها على دفاتر الماء... ولو أرغموها على الخروج من وطنها المائي.. لاختنقت كسمكة فصلوها عن طفولتها.

السيدة فينيسيا، سيدة جميلة جداً... ومجنونة جداً... ولا تزال تحتفظ في عصر الكمبيوتر والصواريخ العابرة للقارات بكل تقاليد العصر الرومانسي وميراثه.
السيدة فينيسيا هي آخر مدينة في العالم يستوطنها الحلم... آخر ما تبقى من عصر الرومانسية... آخر حمامة بيضاء في عصر الرعب النووي... وآخر مخطوطة شعرية كتبها شعراء الحب الإنكليز والفرنسيون والإسبان، قبل أن يفترس الكمبيوتر قلب الإنسان.

السيدة فينيسيا تصنع الزجاج الملون... وتصنع الدانتيل الجميل... ولها جيش يتألف من عشرة آلاف حمامة يرابط ليلاً ونهاراً في ساحة سان ماركو... وينقر الحَبَّ من راحات الأطفال... ويأخذ الصور التذكارية معهم.
حمام ساحة سان ماركو يحط على رأسي... ورأس أولادي وأحفادي... ويعاملنا برقة استثنائية، وحنان خاص... كأنه قرأ ما في عيوننا من خوف وحزن.

هل ترى يعرف حمام فينيسيا... أننا عرب قادمون من أرض يذبحون فيها الحمام...؟


* من كتاب «كلمات... خارج حدود الزمن»

الاثنين، 1 أكتوبر، 2012

العقل يأكل نفسه



| د. سعاد الصباح |



عندما قال الشاعر اللبناني الكبير بشارة الخوري في إحدى قصائده الغنائية:
جفنه علَّم الغَزَل
ومن العلم ما قَتَلْ

ظننا أن العبارة لم تكن أكثر من شطحة من شطحات شاعر الهوى والشباب. وأن العلم الذي يقصده هو بعيون المحبوب، ونضارة خدّيه.
ولكن نبوءة بشارة الخوري - والشعراء دائماً تصدق نبوءاتهم - أصبحت تصحّ على العلم بكل حقوله، وكل فروعه وتطبيقاته.
فالعقل البشري، على ما يبدو - تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمت له... وأخذ يمارس التخريب، فوق سطح الأرض، وتحت سطح الأرض، ويثقب بصواريخه العابرة للقارات غلاف الكرة الأرضية بما يهدد الجنس البشري جميعاً بالزوال.
وربما قال قائل: ولكن هذه هي الحضارة.
وأنا أقول: إن الحضارة لا تنفصل عن الرادع الأخلاقي أبداً، فحضارات الشرق القديم، من هندية، وفرعونية، وفينيقية، وآشورية، وكنعانية، وبابلية، وسومرية، كانت حضارات عريقة وخالدة لأنها لم تنفصل عن القيم الإنسانية والمثل الأعلى.
فالرسامون، والنحاتون، والمعماريون، والشعراء، والفلاسفة في عصر النهضة قدّموا للبشرية حضارة عقلية وفنية مذهلة... دون أن يلجأوا إلى التخريب.
أما علماء هذا العصر فإنهم يستبيحون كل شيء حتى يصلوا إلى الحقيقة، ولو كانت هذه الحقيقة فيها دمار للجنس البشري.
إنهم المسؤولون عن انتشار التلوث وثقب غلاف (الأوزون) وتسويق النفايات الذرية، وانقراض الأفيال، وموت الغابات، وإجراء التفجيرات الذرية في باطن الأرض... تلك التفجيرات التي غيّرت مناخ الكرة الأرضية وجعلت صيفها شتاء... وشتاءها صيفاً.
حتى جهاز (الكمبيوتر) الذي قيل عنه معجزة العقل البشري، أصبح يتآمر على نفسه، فقد تمكن بعض العلماء اللصوص من اختراع ما سموه (فيروس الكمبيوتر) يستطيع أن يدمّر ذاكرة أي كمبيوتر يختاره، ويمحو كل المعلومات المخزونة فيه، كما يدمّر فيروس الإيدز مقاومة الجسد الإنساني.
وصدق الشاعر بشارة الخوري حين قال «ومن العلم ما قتل».


* من كتاب «كلمات... خارج حدود الزمن»