الثلاثاء، 20 ديسمبر، 2016

كلمة الدكتورة سعاد الصباح حفل تكريم أ.عبدالكريم غلاب

أيها الأصدقاء الأجلاء
ضيفنا العزيز الأستاذ عبدالكريم غلاب
سيداتي وسادتي:
عندما أطالع وجه السماء ألمح مئات النجوم تتلألأ في إعلان واضح للإرادة الإلهية العظيمة التي أوجدت هذا الكون وأعطت الحياة فيه للأرض وللسماء، للبشر والماء والحجر.
وعندما أطالع وجه المغرب تعود بي الذاكرة لتلك الصداقة الأخوية التي كانت تربط بين جلالة الراحل الملك محمد الخامس الكبير وبين زوجي وصديقي الشيخ عبدالله المبارك الصباح لأربعين مضت من السنين، حيث جئت بلدكم الرائع بصحبة الزوج الكبير، ثم حللنا ضيوفاً على جلالة الراحل العظيم الملك الحسن الثاني رحمه الله.
لقد طفنا المغرب وزرعنا في قلوبنا محبته كما جعل الله كل هذا الجمال في ربوعه وهذه الخضرة في روابيه، جارة لزرقة المتوسط والأطلسي ليكون المغرب بذلك جسر الأمان في دنيا المحيطات وزهرة المحبة في متون الأرض.
منذ ذلك الوقت عرفت المغرب في عيون تفرح للأمل وفي بهاء الطبيعة التي تزداد بريقاً يوماً بعد الآخر. كما عرفته في نتاج فلسفي وعلمي وأدبي وتاريخي متعدد الأصوات، ولكنه موحد الغايات وكبير التطلعات لعالم أفضل.
ووسط هذه الكوكبة من النجوم في عوالم اليقظة القومية، كان اسم المبدع العربي الأستاذ د. عبدالكريم غلاب ساطعا كالشهاب ومنيراً كينبوع ضوء.
وإذا كان من نوادر العصر أن يستمر المبدع في عطائه لأكثر من خمسين عاماً، فان ضيفنا هو واحد من علامات الندرة الإبداعية إذ لا يزال، وله العمر الطويل، معطاء في مختلف صنوف العطاء، ومستمراً دون توقف في تدوين الكلمات: قلادات من الجوهر وسحباً من متون الرواية والقصة والتفسير والدراسة والمقالة. وفي ذلك تنوع يتطلب طاقة خلاقة هادرة، وإنها في الأستاذ عبدالكريم غلاب واجدة ذاتها في ذاته، وصوتها في حروفه وضوءها فيما صاغ من جوهر الرؤى والصور والأحلام.
أيها الحفل النبيل:
أمام هذا الطود الشامخ بعنفوان الإيمان القومي، في زمن ضاعت فيه الإرادات والعقول، واستبيحت الكرامات وحل التخاذل محل الكبرياء.
أمام هذا الصوت الطاهر في زمن الرداءة وبؤس القيم، نقف بالإكبار تحية لرجل حقيقي، رداؤه الإيمان وسيفه القلم المؤمن بالعروبة مصيراً وبالنصر قدراً، لنقول له: شكرا لك، وشكراً للمغرب الذي أعطى الأمة بأمثالك نموذجاً وقدوة ومشعلاً للحق لن يغيب.


 ألقاها الشيخ بالنيابة عنها الشيخ مبارك عبدالله المبارك







الاثنين، 19 ديسمبر، 2016

تحية إلى رجل كبير - مقال عن الامير الشاعر عبدالله الفيصل - بقلم: د. سعاد محمد الصباح









لو كانت الكتابة عن رجل ينحصر عطاؤه في ميدان واحد لكان ذلك هو الأمر الذي يسهل فيه القول وتنجو العبارة بمضمون يتفق والموصوف المراد تبيان إبداعه أو فضائله .
ولكن كيف يمكن لي أن أقدم لأسفارنا هذه، المخصصة لتكريم رائد من رواد الثقافة العربية، والمحتفى به متعدد العطاءات ومتنوع الاهتمامات، إلى حد يجعلني في حيـرة من الأمر كبيرة. كيف لا وصاحب السمو الملكي الأميــر عبد الله الفيصل سياسي حين تقارب تجربته في الشأن الإداري، ومن موقعه : الابن البكر للملك الكبير الشهيد فيصل بن عبد العزيز، تغمده الله بواسع رحمته.
والأمير عبد الله الفيصل حين تقترب من الشعر يطالعك بالقصيد حزيناً ومعبراً عن حرمان توجّته العفة وسورّته الطهارة،  فما كان حرمان العاجز لو شاء. لقد طرق الأمير المكرم أبواب الشعر على تعددها وصال فيها وجال شعراً عمودياً وشعراً شعبياً، ليعبر عن نفس توّاقه إلى بناء حلم الكلمات الجميلة، والنوازع البشرية السامية .
ولم يقتصر همه واهتمامه على السياسة والشعر، فها نحن نقف معه على بساط الرياضة الأخضر، وقد شغله فاهتم كثيراً بالسعي لخلق جيل من الرياضيين الذين ينتقلون بالقوة والجسارة إلى مرتبة التفاني في سبيل رفع الراية الخضراء عالية في كل منتدى: خليجياً أو عربياً كان أو عالمياً. وتشهد له في كل ما تقدم علامات يتركها على دروب العطاء لتميزّ إبداعه وما قدم ولتجعله الإنسان المتعدد الإنجازات والمتنوع الأصوات، مبدعاً في كل منها وحيث كان له الخيار.
عرفت الأمير عبد الله الفيصل منذ سنين طويلة، ومازالت صورته اليوم في نفسي كما كانت بالأمس: مشرق الابتسامة، متواضع الحديث عن النفس حتى لتحسبه عن سواه يقول الكلام ولا يتصنعه .



وإذا كان الناس تعرف عنه الكثير من العطاء شعراً ومبادرات إنسانية وثقافية ورياضية، فإن ما لا تعرفه هو الجزء الأكبر وهذه سمة النبيل: إذا أعطى تفانى وزاد في صمته تاركاً للزمن  وللتاريخ أن يدون اسمه في سجل الخلود . وها نحن هنا، مجموعة مختارة من أهله وأصدقائه ومريديه وعشاق إبداعاته على تنوعها، نقف أمام الرجل الكبير لنلقي عليه تحية الإكبار ونزرع مع دعواتنا له أكاليل الزهر والغار مشيدين بما قدم وما يقدمّ، آملين أن يقبل منا هذه التحية التي تسعى إلى الارتقاء إلى قامته العالية في دنيا الإنسان وفي عالم الثقافة العربية .

سعـاد محمد الصبـاح

الطبعة الأولى - 2001

الأحد، 11 ديسمبر، 2016

ابراهيم العريض .. المعلم في أصالة الكلمة . بقلم: الدكتورة سعاد محمد الصباح



عبر التاريخ القديم عُرفت البحرين بأرض دلمون فيما يكاد اللؤلؤ المبهر يصبح تاجها وعنوانها.
وفي تقدم الزمن سبقت البحرين كل جيرانها بالإقبال على الحرف علماً فإذا بها تكاد تخلو من الجهل خلوها من ترف الحياة الذي أصاب سواها وغيّر في الشخصية العامة لمنطقة بأسرها. نفرت البحرين عنها وحيدة، تتابع مسيرة البناء، وتجهد في سعيها لحياة أفضل. ولكن وسط كل المتغيرات احتفظت البحرين برأسها فوق الماء وفوق النفط وظلت تقول إنها تملك مخزوناً من حضارة ورصيداً من الثقافة يجعلها لؤلؤة مشرقة في جبين خليجها العربي.
وهذا صحيح..
فمنذ صغرنا ونحن نعرف أن للبحرين في نادي الإبداع الثقافي كرسيَّ صدارة، ونعرف أن من أجيالها تبدأ الكلمة الخليجية العربية وتتعدد المنابر الثقافية. وإذا كان أمراؤها عبر التاريخ قد أرسلوا هداياهم نخيلاً من لؤلؤ، فإن أغنى وأثمن ما تهديه لنا البحرين كان وسيبقى قلادات الشعر العربي، على اختلاف بحوره وأنغامه وصيغه. وفي هذا المضمار أهدتنا البحرين أغلى دررها: شاعراً غير مسبوق في عطائه، أستاذاً في فنه، وحليفاً حقيقياً لجزيل المعاني ورائع الصور.
لقد عرفنا أستاذنا الجليل ونحن في مطلع الأيام، كما تتعرف الزهور على الندى، فإذا بالشعر البحريني يجسد في إنسانيته أرقى المشاعر وأنبل الرؤى وأجمل الصور. لذلك لم يكن صعباً علينا الاختيار حين قررنا أن نحتفي بالرائد الشعري، بالمعلم في أصالة الكلمة، أستاذنا إبراهيم العريض وقد حمل على كتفيه أكثر من خمسين عاماً من الشعر، يطلقه ليعرف العالم أن البحرين ليست نخيلاً وماءً عذباً وبحراً وجزرَ حبٍّ فقط، بل هي الشعر أولاً، وهي شاعرنا إبراهيم العريض في محرابه مبدعاً.
أقف في هذه اللحظة التي نكتب فيها، مسهمين في تكريمه، وفي الاحتفاء به رائداً من رواد الثقافة العربية المعاصر، أقف والخوف في الجنبات من أن نكون مقصرين في إيفاء شاعرنا الكبير حقه، وإننا لكذلك. فهذا السِّفْر الذي يضم رفّات جناح محبيه لا يفيه حقه على الشعر وعلى الوطن الذي أنجب، وعلى الذاكرة التي حفر اسمه فيها خالداً.
ولكن لعل في هذا الكتاب بعضاً من الوفاء، يشهد لصاحبه الكبير بأنه مستحق الكثير قبله وبعده. إننا في مسيرتنا الثقافية المتواضعة، التي أرست أول قاعدة عربية لتكريم الرواد الكبار الأحياء، ننشد ونحلم أن نكون بذلك قد فتحنا الطريق، وما أوسعها. لبناء نهج جديد في عالم الثقافة العربية. نهج يقول لمن أعطى: شكراً فقد بذلت، وشكراً فقد رسمت معالم طريق، ونحن هنا على هديها نسعد بكلمة حق، وبصرخة وفاء ما أحوجنا إليه قيمة عليا في مسارنا وفي تعاملنا الحياتي الصعب.
شكراً لك يا كبير الشعر لما أعطيت وشكراً لك إذ تفتح هذا السفر لتجد أمامك قلوباً جمعت دم الوريد لتكتب لك وعنك بكل هذا الحب، وبكل هذا الإكبار.



الطبعة الأولى - 1996