الأحد، 11 ديسمبر، 2016

ابراهيم العريض .. المعلم في أصالة الكلمة . بقلم: الدكتورة سعاد محمد الصباح



عبر التاريخ القديم عُرفت البحرين بأرض دلمون فيما يكاد اللؤلؤ المبهر يصبح تاجها وعنوانها.
وفي تقدم الزمن سبقت البحرين كل جيرانها بالإقبال على الحرف علماً فإذا بها تكاد تخلو من الجهل خلوها من ترف الحياة الذي أصاب سواها وغيّر في الشخصية العامة لمنطقة بأسرها. نفرت البحرين عنها وحيدة، تتابع مسيرة البناء، وتجهد في سعيها لحياة أفضل. ولكن وسط كل المتغيرات احتفظت البحرين برأسها فوق الماء وفوق النفط وظلت تقول إنها تملك مخزوناً من حضارة ورصيداً من الثقافة يجعلها لؤلؤة مشرقة في جبين خليجها العربي.
وهذا صحيح..
فمنذ صغرنا ونحن نعرف أن للبحرين في نادي الإبداع الثقافي كرسيَّ صدارة، ونعرف أن من أجيالها تبدأ الكلمة الخليجية العربية وتتعدد المنابر الثقافية. وإذا كان أمراؤها عبر التاريخ قد أرسلوا هداياهم نخيلاً من لؤلؤ، فإن أغنى وأثمن ما تهديه لنا البحرين كان وسيبقى قلادات الشعر العربي، على اختلاف بحوره وأنغامه وصيغه. وفي هذا المضمار أهدتنا البحرين أغلى دررها: شاعراً غير مسبوق في عطائه، أستاذاً في فنه، وحليفاً حقيقياً لجزيل المعاني ورائع الصور.
لقد عرفنا أستاذنا الجليل ونحن في مطلع الأيام، كما تتعرف الزهور على الندى، فإذا بالشعر البحريني يجسد في إنسانيته أرقى المشاعر وأنبل الرؤى وأجمل الصور. لذلك لم يكن صعباً علينا الاختيار حين قررنا أن نحتفي بالرائد الشعري، بالمعلم في أصالة الكلمة، أستاذنا إبراهيم العريض وقد حمل على كتفيه أكثر من خمسين عاماً من الشعر، يطلقه ليعرف العالم أن البحرين ليست نخيلاً وماءً عذباً وبحراً وجزرَ حبٍّ فقط، بل هي الشعر أولاً، وهي شاعرنا إبراهيم العريض في محرابه مبدعاً.
أقف في هذه اللحظة التي نكتب فيها، مسهمين في تكريمه، وفي الاحتفاء به رائداً من رواد الثقافة العربية المعاصر، أقف والخوف في الجنبات من أن نكون مقصرين في إيفاء شاعرنا الكبير حقه، وإننا لكذلك. فهذا السِّفْر الذي يضم رفّات جناح محبيه لا يفيه حقه على الشعر وعلى الوطن الذي أنجب، وعلى الذاكرة التي حفر اسمه فيها خالداً.
ولكن لعل في هذا الكتاب بعضاً من الوفاء، يشهد لصاحبه الكبير بأنه مستحق الكثير قبله وبعده. إننا في مسيرتنا الثقافية المتواضعة، التي أرست أول قاعدة عربية لتكريم الرواد الكبار الأحياء، ننشد ونحلم أن نكون بذلك قد فتحنا الطريق، وما أوسعها. لبناء نهج جديد في عالم الثقافة العربية. نهج يقول لمن أعطى: شكراً فقد بذلت، وشكراً فقد رسمت معالم طريق، ونحن هنا على هديها نسعد بكلمة حق، وبصرخة وفاء ما أحوجنا إليه قيمة عليا في مسارنا وفي تعاملنا الحياتي الصعب.
شكراً لك يا كبير الشعر لما أعطيت وشكراً لك إذ تفتح هذا السفر لتجد أمامك قلوباً جمعت دم الوريد لتكتب لك وعنك بكل هذا الحب، وبكل هذا الإكبار.



الطبعة الأولى - 1996







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق