السبت، 18 فبراير، 2017

من قصائد: الشعر والنثر لك وحدك.. شعر: د. سعاد الصباح

1- كلمات القلق

أُحَاوِلُ أَنْ أَتَعَلَّقَ بِعَرَبَةِ الفَرَحِ
فَيَضْرِبُنِي السَّائِقُ عَلَى أَصَابِعِي..
وَأُحَاوِلُ أَنْ أَتَعَلَّقَ بِحِبَالِ الكَلِمَاتِ..
فَتَفْلِتُ مِنْ يَدَيَّ..
 وَأُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَعِيدَ زَمَنَكَ الجَمِيلَ،
 المُطَرَّزَ بِالشَّمْسِ وَالصَّحْوِ فَيُهَاجِمُنِي المَطَرُ..
 وَتَضْرِبُنِي العَاصِفَةُ.
 هَذِهِ كَلِمَاتُ القَلَقِ.. وَالتَّوَتُّرِ.. وَالزَّمَنِ الحَزِينِ..
 فَأَرْجُو أَنْ تُحِبَّ حُزْنِي.


2- الشِّعْرُ وَالنَّثْرُ.. لَكَ وَحْدَكَ


يَا مَرْفَئِيَ الَّذِي أَظَلُّ بِانْتِظَارِهِ..
بَعْدَ أَيَّامٍ أُغَادِرُ لَنْدَن بَعْدَ انْتِظَارٍ طَوِيلٍ..
بَعْدَ أَيَّامٍ أُغَادِرُ  Bear palace
 الَّذِي كَانَ فِرْدَوْسِي وَسِجْنِي فِي آنٍ وَاحِدٍ..
فِرْدَوْسِي لِأَنَّ مَكْتَبَهُ وَصَالُونَهُ وَغُرَفَهُ
تُخَزِّنُ أَجْمَلَ ذِكْرَيَاتِي..
وَسِجْنِي.. لِأَنَّنِي خِلَالَ مُدَّةِ غِيَابِكَ مُحَاصَرَةٌ
بِالثَّالُوثِ المُقَدَّسِ؛ أَنْتَ، وَأَوْلَادُكَ، وَذِكْرَيَاتِي..
لَمْ أَكُنْ وَحْدِي بِالبَيْتِ أَبَدًا.. وَالحِرَاسَةُ لَمْ تَنْقَطِعْ لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا..
عَيْنَاكَ مَرْسُومَتَانِ عَلَى البَابِ، وَابْتِسَامَتُكَ تُطِلُّ
مِنْ وَرَاءِ السَّتَائِرِ..
وَصَوْتُكَ يَتَرَدَّدُ فِي أَرْجَاءِ البَيْتِ: أُحِبُّكِ..



3- حُلُمٌ SHOPPING

أُعَلِّقُكَ، كَحَلَقِ الزُّمُرُّدِ، فِي أُذُنِي
وَأَدْخُلُ بِكَ شَوَارِعَ لَنْدَنَ المُزْدَحِمَةَ
وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ

أُخَبِّئُكَ كَالثَّوْبِ الجَدِيدِ
فِي كِيسِ مُشْتَرَيَاتِي
وَأَقْفِزُ مَعَكَ كَطِفْلَةٍ
عَلَى السَّلَالِمِ الكَهْرَبَائِيَّةِ..
وَأَتَمَسَّكُ بِذِرَاعِكَ
كَغَرِيْقٍ فِي سَاعَةِ الزِّحَامِ
وَأَتَوَكَّأُ عَلَى سَاعِدَيْكَ

أَلْبَسُكَ كَإِسْوَارَةِ الذَّهَبِ فِي مِعْصَمِي
وَأَرْتَادُ مَعَكَ الأَمَاكِنَ المَزْرُوعَةَ
بَيْنَ ريجينت ستريت.. ونايتس بريدج
هَازِئَةً مِنَ المَطَرِ
هَازِئَةً مِنَ البَشَرِ
وَأَتَوَكَّأُ عَلَى الحُبِّ

أَذْهَبُ مَعَكَ..
إِلَى آخِرِ الدُنْيَا.
وَآَخُذُ إِجَازَةً..
مِنْ تَارِيخِ العَرَبِ.




4- حُلُمٌ SHOPPING

أُعَلِّقُكَ، كَحَلَقِ الزُّمُرُّدِ، فِي أُذُنِي
وَأَدْخُلُ بِكَ شَوَارِعَ لَنْدَنَ المُزْدَحِمَةَ
وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ

أُخَبِّئُكَ كَالثَّوْبِ الجَدِيدِ
فِي كِيسِ مُشْتَرَيَاتِي
وَأَقْفِزُ مَعَكَ كَطِفْلَةٍ
عَلَى السَّلَالِمِ الكَهْرَبَائِيَّةِ..
وَأَتَمَسَّكُ بِذِرَاعِكَ
كَغَرِيْقٍ فِي سَاعَةِ الزِّحَامِ
وَأَتَوَكَّأُ عَلَى سَاعِدَيْكَ

أَلْبَسُكَ كَإِسْوَارَةِ الذَّهَبِ فِي مِعْصَمِي
وَأَرْتَادُ مَعَكَ الأَمَاكِنَ المَزْرُوعَةَ
بَيْنَ ريجينت ستريت.. ونايتس بريدج
هَازِئَةً مِنَ المَطَرِ
هَازِئَةً مِنَ البَشَرِ
وَأَتَوَكَّأُ عَلَى الحُبِّ

أَذْهَبُ مَعَكَ..
إِلَى آخِرِ الدُنْيَا.
وَآَخُذُ إِجَازَةً..
مِنْ تَارِيخِ العَرَبِ.






من المجموعة الشعرية: الشعر والنثر لك وحدك.. التي صدرت عن دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع 2016

الأربعاء، 18 يناير، 2017

عصفوري الجميل

 1

أهرب إليك كلما لفني الضياع يا عصفوري الجميل . .
يا الذي يغرد على أغصان فكري
يا من ينسج من أهدابي
عشا لينام فيه
ومن شراييني يشرب
وعلى أحداق عيني يتمرى
أحمل أفراحك معي وأزرعها
نجمات مضيئة في شعر العالم
وأحمل احزانك في داخلي
واقفة كالزوبعة
في وجه بقعة الزيت أطردها
من شطآنك . .
التي ما زالت تحمل رسومات أقدامي الصغيرة . .

  


 2
وما زالت آثار قصوري الرملية على صدرك
وحروف اسمي محفورة على صفحة وجهك .  .
* * *

3

وما زلت أشتاق للنوم طفلة على رمالك . .
كلما ضربتني عواصف الأحزان !
أهرب لأغسل همومي في مياه بحرك الصافية الزرقاء
وأركض باتجاهك كلما لفني الضياع
وكلما أبكتني الغربة
وكلما هاجرت بعيداً عنك
فأنت وطني . .
وطن الأوطان وعاصمة العواصم

وملتقى الأزمان !

سعاد الصباح
1983

الاثنين، 16 يناير، 2017

في افتتاح مكتبة عبدالله المبارك - القاهرة 1995


في افتتاح مكتبة عبدالله المبارك
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
جامعة القاهرة – 1995
كانت مصر حبة عين الشيخ عبدالله المبارك الصباح، وكان نيلها يروي نفسه، ويجري في عروقه دماً عربياً يجعله عاشقاً حقيقياً لمصر التي أحب، والتي انزرعت في خاطره كنخلة عميقة الجذور، فكان يعبر عن إكباره لمصر وحبه لمصر بالإقامة فيها السنوات الطوال، والعودة إليها مهما امتد الغياب.
ولم يكن زوجي وصديقي الشيخ عبدالله المبارك وحيداً في ذلك فقد ترافقنا في كل الخطوات والمشاعر، ومنها كانت رفقتنا في حب مصر، وتاريخ مصر، وشعب مصر وسماء مصر وتراب مصر.
في هذه الدار وتحت قبة هذا المقام المهيب تتلمذت ودرست فكان لكم الفضل في تأهلي للانتقال إلى الدراسات العليا ودخول معترك الحياة بالعلم وبالقيم السامية التي تعلمت على مقاعد هذه الكلية، وعلى يد نخبة كريمة من أساتذتها.
وفاء لوفاء عبدالله المبارك الصباح لمصر، ووفاء لوفائي لمصر، وحباً بمصر أسعدني تبني هذا المشروع العلمي الجليل، والذي يحمل اسم الرجل الذي رافقته في مشوار حبنا المشترك لهذه الأرض الطيبة التي يدخلها المؤمن بسلام آمنا، ويقيم فيها آمنا فيصلي معي إلى الله، أن يديم عليها نعمة عاشقيها بالحب، ونعمة الأمن والأمان، إنه السميع القدير المجيب..



كلمة د. سعاد الصباح في معرض الكتاب - القاهرة 2004


إن قراءة الشعر في مصر توقع الشاعر في تناقض مع نفسه، ومع الشعر، ذلك لأن مصر، من حيث التشكيل الثقافي والجمالي، هي خلاصة الشعر، فأي ورطة يقع فيها الشاعر حين يحاول أن يحمل إلى نهر النيل قطرة ماء.. وإلى أرض مصر الحبلى بملايين القصائد... قصيدة جديدة.
ثم إن مصر في مطلع الستينيات كانت ينبوعي الثقافي الأول الذي شربت منه حتى ارتويت، فعلى أرضها الطيبة نبت ريشي، وكبرت أجنحتي، وأورقت حنجرتي... وولدت قصائدي الأولى، وعلى تراب مصر بين الجيزة ومصر الجديدة وجاردن سيتي حبوت وركضت وترعرعت جسدياً وفكرياً، وأعطاني أساتذتي الأجلاء، في جامعة القاهرة مفاتيح المستقبل.
إذن فمصر هي الصدر الذي أسندت رأسي إليه، ورضعت منه حليب المعرفة، وغذاء الفكر.
فإذا عدت إلى مصر اليوم لأقرأ شعري، فلأن العصافير مهما ابتعدت عن أشجار طفولتها، فلا بد لها أن تعود إلى ملاعب صباها، ولأن القصائد مهما هاجرت، فلا بد لها من العودة إلى وطنها الأول.
وإذا كنتُ قد تكونت على يد مصر ثقافياً، فقد تكونت على يدها قومياً أيضاً، فأنا من الجيل الذي شهد العصر الذهبي للمد الوحدوي العربي، كما شهد أروع وأعظم معاركنا القومية.
نعم، أنا امرأة من جيل الأحلام الكبرى، والتحولات الكبرى، امرأة عاشت التاريخ العربي وهو في ذروة كبريائه وقمة تحدياته.. وكانت مصر يومئذ وردة العالم العربي، ونشيده وسيفه.
في الخمسينات كان قلبي مجنوناً من الفرح، ومشتعلاً كشمس أفريقية، ومسكوناً بالزلازل والأعاصير، وكنت أنام وأصحو على نشيد (اللّه أكبر) (واللّه زمان يا سلاحي) فتتساقط الدموع من أهداب قلبي.
في تلك الأيام العظيمة، كنا نقتطف الحلم من شجر المستحيل، ونكتب الشعر على بوابات السماء، ونحلم بالإمبراطورية العربية الكبرى التي لا تغيب عنها الشمس.
كانت طموحاتنا أكبر من مساحة الشمس، فصارت أصغر من مساحة قرص الفاليوم، كان الوطن في عيوننا لا نهائياً كالبحر، وصار الوطن في هذه الأيام ضيقاً كالزنزانة، كنا نأكل رغيفنا اليومي من القمح الخالص، فصرنا نأكله معجوناً بالإرهاب الخالص، والدمع الخالص.
في هذا الزمن العربي الذي لا يوجد وصف له يأتي دور الشعر ليعيد إلى النفس العربية أصالتها، ويعيد إلى النفس العربية مصداقيتها، ويعيد للإنسان العربي إيمانه بأن شمس الحرية لن تنطفئ، وأشجار الأمل لن تيبس.










الرسالة.. مؤسسة لا مجلة * بقلم: د. سعاد محمد الصباح


الرسالة.. مؤسسة لا مجلة *
عندما طُرِحت عليّ فكرة الإسهام في مشروع إعادة طبع مجلة (الرسالة) التي كان قد أصدرها المرحوم الأستاذ أحمد حسن الزيات في القاهرة بين عام ١٩٣٣ وعام ١٩٥٣ لم أتردّد لحظة واحدة في القبول.
مجلة الرسالة ليست كأية مجلة أدبية ظهرت في العالم العربي، ولكنها مؤسسة ثقافية كبرى لا تقلّ من حيث الأهميّة والتأثير عن منظمة اليونسكو، وجامعة الأزهر، وكامبريدج، وهارفارد، والأكاديمية الفرنسية.
إنّها تراث بكلّ ما تحمله كلمة التراث من أصولية، ومنهجية، وارتباط بالأرض والتزام بالقيم الفكرية الكبرى.
لقد غطّت مجلة (الرسالة) الخريطة الثقافية للعالم العربي تغطية شاملة على مدى عشرين عاماً، وكانت المدرسة التي تخرّج فيها أعلام الأدب والشعر والنّقد في مصر والعالم العربي، فمن ظهر اسمه على صفحاتها، كان من المبشَّرين بالدخول إلى جنة المشاهير في عالم الأدب، ومن لم يُنشر اسمه، بقي خارج أسوار تلك الجنة.
والذين عاصروا مجلة (الرسالة) في عصرها الذهبي، يُجمعون على القول إن المثقفين العرب كانوا يعتبرون اليوم الذي تصدر فيه (الرسالة) يوم عيد حقيقي، ويتخاطفونها عند وصولها إلى المكتبات كرغيف الخبز الساخن، لأن الذي لم يكن يقرأ (الرسالة)، لم يكن معتبراً في عِداد المثقفين وأهل المعرفة.
إذن فإعادة الحياة إلى (الرسالة) هي إعادة الحياة إلى حقبة من أجمل الحقب في تاريخنا الأدبي، أعطت فيها الأرض العربية قمماً شامخة في عالم الفكر والإبداع، وتلاقت جميعاً على أرض مجلة (الرسالة).
ولأنّ الجيل الجديد، لا يعي الدور التثقيفي الخطير الذي لعبته مجلة (الرسالة) في تكوين العقل العربي، وفي صياغة الذوق الأدبي، والإحساس الجمالي في فترة الثلاثينيات، والأربعينيات، ومطلع الخمسينيات، فإن إيقاظ اسم (الرسالة) في ذاكرة الأجيال الجديدة، لا يعتبر عملاً ثقافياً فحسب، وإنّما يعتبر عملاً قومياً وحضارياً وثورياً من الطراز الأول. فالثقافة والمعرفة والفكر لا تنفصل أبداً عن حركة التاريخ ومقومات الأرض، وطموحات الثورة.
ومن هذا المنظور الثقافي والقومي معاً انطلقنا في مشروعنا بإشراف الزميل الباحث د.محمد يوسف نجم الأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت، آملين أن نكون قد حافظنا على أشجار هذا البستان الثقافي اليانع، والله من وراء القصد.
د.سعاد محمد الصباح
* (مقدمة طبعة الرسالة التي أصدرتها دار سعاد الصباح في ٤٠ مجلداً عام ١٩٨٥).


الثلاثاء، 20 ديسمبر، 2016

كلمة الدكتورة سعاد الصباح حفل تكريم أ.عبدالكريم غلاب

أيها الأصدقاء الأجلاء
ضيفنا العزيز الأستاذ عبدالكريم غلاب
سيداتي وسادتي:
عندما أطالع وجه السماء ألمح مئات النجوم تتلألأ في إعلان واضح للإرادة الإلهية العظيمة التي أوجدت هذا الكون وأعطت الحياة فيه للأرض وللسماء، للبشر والماء والحجر.
وعندما أطالع وجه المغرب تعود بي الذاكرة لتلك الصداقة الأخوية التي كانت تربط بين جلالة الراحل الملك محمد الخامس الكبير وبين زوجي وصديقي الشيخ عبدالله المبارك الصباح لأربعين مضت من السنين، حيث جئت بلدكم الرائع بصحبة الزوج الكبير، ثم حللنا ضيوفاً على جلالة الراحل العظيم الملك الحسن الثاني رحمه الله.
لقد طفنا المغرب وزرعنا في قلوبنا محبته كما جعل الله كل هذا الجمال في ربوعه وهذه الخضرة في روابيه، جارة لزرقة المتوسط والأطلسي ليكون المغرب بذلك جسر الأمان في دنيا المحيطات وزهرة المحبة في متون الأرض.
منذ ذلك الوقت عرفت المغرب في عيون تفرح للأمل وفي بهاء الطبيعة التي تزداد بريقاً يوماً بعد الآخر. كما عرفته في نتاج فلسفي وعلمي وأدبي وتاريخي متعدد الأصوات، ولكنه موحد الغايات وكبير التطلعات لعالم أفضل.
ووسط هذه الكوكبة من النجوم في عوالم اليقظة القومية، كان اسم المبدع العربي الأستاذ د. عبدالكريم غلاب ساطعا كالشهاب ومنيراً كينبوع ضوء.
وإذا كان من نوادر العصر أن يستمر المبدع في عطائه لأكثر من خمسين عاماً، فان ضيفنا هو واحد من علامات الندرة الإبداعية إذ لا يزال، وله العمر الطويل، معطاء في مختلف صنوف العطاء، ومستمراً دون توقف في تدوين الكلمات: قلادات من الجوهر وسحباً من متون الرواية والقصة والتفسير والدراسة والمقالة. وفي ذلك تنوع يتطلب طاقة خلاقة هادرة، وإنها في الأستاذ عبدالكريم غلاب واجدة ذاتها في ذاته، وصوتها في حروفه وضوءها فيما صاغ من جوهر الرؤى والصور والأحلام.
أيها الحفل النبيل:
أمام هذا الطود الشامخ بعنفوان الإيمان القومي، في زمن ضاعت فيه الإرادات والعقول، واستبيحت الكرامات وحل التخاذل محل الكبرياء.
أمام هذا الصوت الطاهر في زمن الرداءة وبؤس القيم، نقف بالإكبار تحية لرجل حقيقي، رداؤه الإيمان وسيفه القلم المؤمن بالعروبة مصيراً وبالنصر قدراً، لنقول له: شكرا لك، وشكراً للمغرب الذي أعطى الأمة بأمثالك نموذجاً وقدوة ومشعلاً للحق لن يغيب.


 ألقاها الشيخ بالنيابة عنها الشيخ مبارك عبدالله المبارك







الاثنين، 19 ديسمبر، 2016

تحية إلى رجل كبير - مقال عن الامير الشاعر عبدالله الفيصل - بقلم: د. سعاد محمد الصباح









لو كانت الكتابة عن رجل ينحصر عطاؤه في ميدان واحد لكان ذلك هو الأمر الذي يسهل فيه القول وتنجو العبارة بمضمون يتفق والموصوف المراد تبيان إبداعه أو فضائله .
ولكن كيف يمكن لي أن أقدم لأسفارنا هذه، المخصصة لتكريم رائد من رواد الثقافة العربية، والمحتفى به متعدد العطاءات ومتنوع الاهتمامات، إلى حد يجعلني في حيـرة من الأمر كبيرة. كيف لا وصاحب السمو الملكي الأميــر عبد الله الفيصل سياسي حين تقارب تجربته في الشأن الإداري، ومن موقعه : الابن البكر للملك الكبير الشهيد فيصل بن عبد العزيز، تغمده الله بواسع رحمته.
والأمير عبد الله الفيصل حين تقترب من الشعر يطالعك بالقصيد حزيناً ومعبراً عن حرمان توجّته العفة وسورّته الطهارة،  فما كان حرمان العاجز لو شاء. لقد طرق الأمير المكرم أبواب الشعر على تعددها وصال فيها وجال شعراً عمودياً وشعراً شعبياً، ليعبر عن نفس توّاقه إلى بناء حلم الكلمات الجميلة، والنوازع البشرية السامية .
ولم يقتصر همه واهتمامه على السياسة والشعر، فها نحن نقف معه على بساط الرياضة الأخضر، وقد شغله فاهتم كثيراً بالسعي لخلق جيل من الرياضيين الذين ينتقلون بالقوة والجسارة إلى مرتبة التفاني في سبيل رفع الراية الخضراء عالية في كل منتدى: خليجياً أو عربياً كان أو عالمياً. وتشهد له في كل ما تقدم علامات يتركها على دروب العطاء لتميزّ إبداعه وما قدم ولتجعله الإنسان المتعدد الإنجازات والمتنوع الأصوات، مبدعاً في كل منها وحيث كان له الخيار.
عرفت الأمير عبد الله الفيصل منذ سنين طويلة، ومازالت صورته اليوم في نفسي كما كانت بالأمس: مشرق الابتسامة، متواضع الحديث عن النفس حتى لتحسبه عن سواه يقول الكلام ولا يتصنعه .



وإذا كان الناس تعرف عنه الكثير من العطاء شعراً ومبادرات إنسانية وثقافية ورياضية، فإن ما لا تعرفه هو الجزء الأكبر وهذه سمة النبيل: إذا أعطى تفانى وزاد في صمته تاركاً للزمن  وللتاريخ أن يدون اسمه في سجل الخلود . وها نحن هنا، مجموعة مختارة من أهله وأصدقائه ومريديه وعشاق إبداعاته على تنوعها، نقف أمام الرجل الكبير لنلقي عليه تحية الإكبار ونزرع مع دعواتنا له أكاليل الزهر والغار مشيدين بما قدم وما يقدمّ، آملين أن يقبل منا هذه التحية التي تسعى إلى الارتقاء إلى قامته العالية في دنيا الإنسان وفي عالم الثقافة العربية .

سعـاد محمد الصبـاح

الطبعة الأولى - 2001